3 ــ تنظيم و / أو المشاركة في بعثات تقصي الحقائق : بغرض تسليط الأنظار و تركيز الانتباه على ممارسات لدولة معينة منافية لحقوق الإنسان ، أو بغرض تفنيد مزاعم هذه الدولة في هذا الشأن تقوم جمعيات لحقوق الإنسان بإرسال وفود لتقصي الحقائق في عين المكان أو تقوم بالمشاركة ضمن وفود تبعث بها جمعيات أخرى . و تتوج هذه الوفود أشغالها بتحرير تقرير . و من أمثلة هذه البعثات ، هناك : ــ بعثة اللجنة العربية لحقوق الإنسان ، عبر المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية و الخيرية بمشاركة كل من فيوليت داغر و جان كلود بونسان و جوليان فيلالارد و لور فورست ، لتقصي حقائق للضفة الغربية خلال النصف الأول من شهر فبراير / تشرين الثاني 2006 ، و حررت تقريرها د.فيوليت داغر رئيسة اللجنة العربية لحقوق الإنسان . ــ بعثة منظمات حقوق الإنسان العربية إلى لبنان من 08 إلى 15 غشت / آب 2006 بمشاركة اللجنة العربية لحقوق الإنسان ( باريس – فرنسا ) ، و المجلس الوطني للحريات ( تونس ) ، و جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان . ــ بعثة اللجنة العربية لحقوق الإنسان المؤجلة لدارفور ،،،
3.4 ــ مراقبة سير المحاكمات : أي المشاركة في المراقبة الحيادية للإجراءات التي اتبعت في إنصاف ضحية أو في الإمعان في انتهاك حقه ، و ذلك عن طريق تتبع المسطرة التي اتبعتها الشرطة القضائية المحلية ، أو غيرها ، في التحقيق حول الانتهاك المعني و حضور المحاكمات و ملاحظة مدى تماشيها مع مجريات المحاكمة العادلة و تتبع المرافعات القانونية و الأحكام الصادرة و ملاحظة مدى تماشيها مع القانون ، و تتويج ذلك بكتابة تقرير .
3.5 ــ فضح الانتهاكات التي تقترفها الدول و تعبئة الرأي العام لدعم قضايا حقوق الإنسان: لأن المسعى الرئيسي لحركة حقوق الإنسان هو تحسين وضعية حقوق الإنسان ، فإن جمعيات حقوق الإنسان المحلية أو الإقليمية أو الدولية لا تتجه نحو توظيف أسلوب الفضح إلا بعد أن تتأكد من أن الحكومة أو الحكومات المعنية لا تعطي الاهتمام اللازم لخرق أو خروقات تمس حقوق و حريات فرد أو أفراد أو مجموعة أو جماعة ، فهي بعد أن يتأكد لديها حدوث فعلي لانتهاك متفرق أو متفشي لحق من الحقوق أو تتجمع لديها معلومات موثوقة عن أن انتهاك حق هو قيد الممارسة تبدأ عملها بمساعي حميدة ، و ذلك عن طريق التدخل لدى القطاعات الحكومية المعنية بواسطة الاتصال المباشر أو المراسلة للفت انتباهها إلى ما يحدث و إلى تاريخ و وقت و مكان حدوثه و الجهة الضالعة فيه و نصوص القانون الوطني ( القومي ) و الدولي التي لم يتم احترام مقتضياتها في القيام به مع المطالبة بإجراء تحقيق نزيه حوله و عدم إفلات مرتكبه أو مرتكبيه من العقاب،، لكنها في حالة استهتار الحكومة بالأمر و عدم اتخاذها للإجراءات العلاجية اللازمة تتجه نحو الرأي العام بواسطة إعادة نشر المراسلات أو المذكرات التي سبق لها أن فاتحت بها الحكومة بخصوص الانتهاك إياه ، و إصدار بلاغات و بيانات و تقارير و عرائض للتوقيع و تنظيم وقفات تضامنية و عقد ندوات صحفية لوضع الناس أمام الصورة و لإشهار الموقف الحكومي و تبيين كيف أن الحكومة لا تحترم التزاماتها تجاه الحقوق الإنسانية ،،
و بقدر ما تواصل الحكومات استهتارها بقضايا حقوق الإنسان ، سواء بالنفي أو بالزعم بأن لديها أولويات أخرى أو باتهامها لحركة حقوق الإنسان بالعمالة لقوى خارجية معادية ، بقدر ما تعمل جمعيات حقوق الإنسان على توسيع دائرة الرأي العام المخاطب ليشمل الرأي العام الدولي من أجل التعبئة للضغط في سبيل إعمال حقوق الإنسان و الحد من انتهاكها.
3.6 ــ الاستفادة من الصفة الاستشارية في التأثير على القرارات الأممية و الإقليمية لفائدة حقوق الإنسان : بالإضافة إلى أن حوالي 40 من المنظمات غير الحكومية كانت قد ساهمت في صياغة ميثاق الأمم المتحدة ، فإن المجلس الاقتصادي و الاجتماعي قد تبنى فحوى المادة 71 من هذا الميثاق التي تخول لجمعيات حقوق الإنسان غير الحكومية الصفة الاستشارية لديه . و هي الصفة التي يخولها المجلس الأوروبي و تقرها كل من المعاهدة بين دول أمريكا لحقوق الإنسان و الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان و الشعوب لجمعيات حقوق الإنسان غير الحكومية . و بمقتضى هذه الصفة تشارك هذه الجمعيات على الصعيد الأممي في أشغال لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التابعة للمجلس الاقتصادي و الاجتماعي و أشغال اللجنة الفرعية حيث تتقدم ببينات و أدلة مكتوبة و / أو شفهية و كذا باقتراحات في شأن جداول الأعمال . و تعتبر كل من منظمة الكرامة لحقوق الإنسان ، التي تنظم هذه الدورة التدريبية ، و اللجنة العربية لحقوق الإنسان – ( فرنسا ) التي أعتز بالانتماء إليها ، اثنتين من بين الجمعيات التي تتمتع بهذه الصفة. كما أن جمعيات حقوق الإنسان غير الحكومية تشارك أيضا على الصعيد الإقليمي كمراقب داخل المجلس الأوروبي و في قضايا حقوق الإنسان المرفوعة لدى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أو لدى مثيلتها الأمريكية أو في قضايا حقوق الإنسان التي تحركها المحاكم الأخرى داخل هاتين القارتين و كذا خارجهما ، و ذلك إما بصفتها صاحبة الدعوى أو بصفتها مدعي مرافق أو طرف مدني .
3.7 ــ المشاركة في إثراء المعايير الدولية لحقوق الإنسان و تطويرها : إن من بين الأمثلة القريبة منا جدا ، في هذا الإطار ، هو الدور الدؤوب الذي لعبته جمعيات المجتمع المدني خلا مدة زمنية بلغت 25 سنة من أجل صياغة اتفاقية دولية تضع حدا لـ " الاختفاء " القسري بمنعه و تجريم فاعليه و إنهاء كل محاولة لإفلاتهم من العقاب و إنصاف ضحاياه و الوقاية منه ،، و إذا كان إعمال هذا الدور قد انطلق ابتداء من سنة 1981 بمبادرة من جمعيات محلية لعائلات ضحايا " الاختفاء " القسري بأمريكا اللاتينية ، فإنه سرعان ما تعزز بانضمام جمعيات مشابهة أخرى من باقي القارات ثم تقوى بواسطة تبنيه من قبل منظمات إقليمية و دولية عديدة مشهود لها بقوة التأثير في كواليس الأجهزة البين حكومية داخل أوساط الأمم المتحدة . و قد تتوج إصرار هذه الجمعيات على الحضور داخل و خارج قاعة صياغة المسودات الأولى لهذه الاتفاقية لسنوات طويلة ، تجاه المفاوضات العسيرة مع و بين ممثلي الحكومات ، باعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة في يوم 20 دجنبر 2006 لأقوى الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان على الإطلاق و بفتح باب التوقيع عليها ابتداء من يوم 06 فبراير 2007 ، هي الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري .
و تطول قائمة الصكوك الدولية و الإقليمية لحقوق الإنسان التي يرجع الفضل في التقدم بمشاريعها الأولى إلى جمعيات حقوق الإنسان غير الحكومية أو ساهمت هذه الجمعيات في صياغتها أو في التأثير من أجل تبنيها ،،، لتشمل حوالي 80 إعلان و اتفاقية و معاهدة و غيرها تحمي حقا أو أكثر من حقوق الإنسان . و جدير بالتذكير ، هنا كمثال آخر ، أن مؤتمر باريس للجمعيات الخيرية و الإنسانية المنظم من قبل اللجنة العربية لحقوق الإنسان بباريس يومي 09 – 10 يناير 2003 قد أحال على المكتب الدولي للجمعيات الخيرية و الإنسانية المنبثق عنه " مشروع الإعلان العالمي المتعلق بحقوق و مسؤوليات الأفراد و الجماعات في العمل الخيري و الإنساني " من أجل متابعة ما يلزم في تحقيق أوسع تضامن و نقاش ممكن للانتقال بعد ذلك لإعمال الخطوات الإجرائية الموالية داخل مؤسسات الأمم المتحدة ذات الصلة ، و ذلك في أفق اعتماده و المصادقة عليه و تنفيذه .
3.8 ــ المساهمة في إعداد و تنفيذ برامج للتربية و التكوين و التدريب في مجال حقوق الإنسان و آليات حمايتها للردع استباقيا عن الانتهاكات و للوقاية من تكررها : رغم الفائدة الكبرى التي تتحقق من وراء قيام جمعيات حقوق الإنسان غير الحكومية برصد انتهاكات حقوق الإنسان و توثيقها و إعداد التقرير بصددها و تبليغها و نشرها ، و مساعدة الضحايا في التقاضي و في التعافي ، و تطوير المعايير الدولية لحقوق الإنسان،، فإن دورها في حماية حقوق الإنسان و الارتقاء بها لا يتوقف عند هذا الحد . فلأن انتهاكات حقوق الإنسان ليست بالضرورة دائما عمودية المصدر ، و لأن العنف ، و الشطط ، و التعذيب ، و عدم احترام القانون، و التدليس ، و الاختلاس ، و الرشوة و غيرها من مظاهر الفساد، و التحرش ،،،، حين تتحول إلى حالات ذهنية و عادات سلوكية يومية ، سواء لدى الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين أو لدى باقي رموز السلط السياسية و الاقتصادية ،،، يصعب على القوانين مهما تم تحسينها و على أجهزة الزجر المادي مهما بلغت قوتها أن تكبح من جماحها ،،، تتبنى جمعيات حقوق الإنسان غير الحكومية إستراتيجية موازية من أبعادها ، للتثقيف على معارف و مبادئ و قيم حقوق الإنسان من أجل الحد من انتهاكاتها و الوقاية من تكرر حدوث هذه الانتهاكات : ــ بعد توعية الناس بحقوقهم لتمكينهم من ضبط القوانين و الآليات التي يستطيعون بواسطتها استرجاع و حماية حقوقهم و حرياتهم كلما سلبت منهم أو تعرضت للتهديد بالسلب، ــ بعد تكوين و تدريب نشطاء جدد في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان . ــ بعد المساهمة في إدماج حقوق الإنسان في المناهج الدراسية ما قبل الجامعية و الجامعية و تدريب المكونين و المدرسين على حسن تربية المتمدرسين عليها ، و ذلك مع دعم البرامج و الأنشطة المدرسية غير الصفية أو غير النظامية و تنميتها لتكون قناة مستدامة للتغذية بثقافة حقوق الإنسان . ــ بعد إحداث مراكز للتكوين و الإعلام و إنتاج و إصدار و نشر الكتب و غيرها من المطبوعات ذات الصلة بتعلم و إشاعة ثقافة حقوق الإنسان . ــ بعد إعداد و تنفيذ برامج تدريبية على حقوق الإنسان و القواعد و المبادئ الأممية ، ذات الصلة، لفائدة الموظفين المنفذين للقوانين و لفائدة مكونيهم داخل المعاهد العليا التي تتكفل بمهمة تأهيلهم لتولي مهامهم المهنية.
و بالإضافة إلى ذلك ، لا تترك جمعيات حقوق الإنسان غير الحكومية أية فرصة أو مناسبة وطنية أو إقليمية أو دولية ذات علاقة بحقوق الإنسان تمر دون أن تتجند ، سواء بشكل منفرد أو في إطار شبكات أو تحالفات ، من أجل تنوير الناس في شأنها ، و ذلك بواسطة إلقاء العروض أو المحاضرات أو تنظيم الندوات أو الأيام الدراسية ، أو عرض الأشرطة السينمائية أو الوثائقية للمشاهدة الجماعية ، أو تنظيم المسابقات أو المباريات الفنية أو الإبداعية الأخرى .
*المصطفى صوليح El Mostafa Soulaih كاتب ، باحث ، و مؤطر ، في مجال التربية على حقوق الإنسان و المواطنة – من أطر اللجنة العربية لحقوق الإنسان . صدر له ، عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان ( باريس ، فرنسا ) و الأهالي و أوراب ، كتاب تحت عنوان : " نقد التجربة المغربية في طي ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان " .
(1) نص درس ساهم به المصطفى صوليح في الدورة التدريبية التي نظمتها منظمة الكرامة في الدوحة أيام 28 – 30 2007 لفائدة نشطاء حقوق الإنسان لدول الخليج العربي .
◄ تم الاعتماد في إعداد أجزاء من هذه الورقة المصادر التالية :
فريدوم هاوس ، كتاب غير منشور " تقنيات العمل على رصد و توثيق حقوق الإنسان و الآليات المحلية و الدولية " عن : هوريدوكس
www.huridocs.org و " تقصي الحقائق و التوثيق "
www.forumasia.org فاتح سميح عزام " دور المنظمات غير الحكومية في الدفاع عن حقوق الإنسان " ، المجلة العربية لحقوق الإنسان، عدد 3 ، تونس . 1996 .
برنامج حقوق الإنسان التابع لصندوق السلام بالتضامن مع معهد جاكوب بلوستين لترقية حقوق الإنسان " بناء مؤسسات حقوق الإنسان / مرشد في كيفية بناء و تقوية و استمرار المنظمات " ، أعيد إصداره في دجنبر 1997 , ص 29 .